يوسف بن أبي بكر السكاكي
15
مفتاح العلوم
حياته وطلبه للعلوم بيئته : عاش السكاكي حياته كلها - على الراجح - في إقليم خوارزم لم يتحول عنه إلى غيره ، حيث اكتفى بتحصيل علومه في مساجد خوارزم ، متأثرا بتلك البيئة التي كانت مركزا من المراكز العلمية آنذاك . وكان المذهب الشائع في خوارزم هو الاعتزال ، فأثر ذلك في أغلب علمائها الذين اتخذوا من الاعتزال منهجا في الدفاع عن العقيدة في وجه الملاحدة والزنادقة ، وإن جرهم ذلك إلى الوقوع في كثير من التأويلات العقلية البعيدة التي أدت إلى انتقادهم وإهدار كثير من جهودهم . وقد تخرج في تلك البيئة جملة من الأعلام ، منهم عبد القاهر الجرجاني ( 471 ه ) صاحب ( دلائل الإعجاز ) و ( أسرار البلاغة ) و ( الجمل ) ، ورشيد الدين الوطواط ( 573 ه ) صاحب ( دقائق السحر ) وجار اللّه الزمخشري ( 538 ه ) صاحب ( الكشاف ) و ( أساس البلاغة ) و ( المفصل في النحو ) ، و ( الأنموذج في النحو ) وغيرها من التصانيف النافعة . وفخر الدين الرازي ( 606 ه ) صاحب ( التفسير الكبير ) ، و ( نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز ) ، وغيرهم كثير ممن لا يحصون كثرة . نشأ السكاكي في تلك البيئة التي تخرج بها هؤلاء الأعلام ، وتأثر بالحياة الفكرية الثقافية في تلك المدينة ، ولم ينج من التأثر بمذهب الاعتزال كأكثر علماء بلده ، فهو يعترف في علم البيان بعقيدته الاعتزالية في بعض أمثلته حيث يقول : " قولك عند المخالف : اللّه إلهنا ، ومحمد نبينا والإسلام ديننا ، والتوحيد والعدل مذهبنا ، والخلفاء الراشدون أئمتنا ، والناصر لدين اللّه خليفتنا ، والدعاء له والثناء عليه وظيفتنا . . . " . فهو يعترف في هذا النص أن مذهبه هو التوحيد والعدل ، أي مذهب المعتزلة ، كما يكشف هذا النص عن فائدة أخرى ، وهي بيانه أنه عاش فترة خلافة الناصر لدين اللّه الخليفة العباسي الذي تولى الخلافة سنة 575 ه ، وتوفي سنة 622 ه « 1 » ، وأنه في هذه الفترة كان قد صنف كتابه المفتاح ؛ مما يرجح أنه قد ألفه بعد سنة 600 ه ، وذلك لأن السكاكي قد أخذ العلم بعد أن مضى من عمره ثلاثون عاما على ما تذكر المصادر في ترجمته . طلبه للعلوم : بدأ السكاكي حياته في صناعة المعادن ، على ما تذكر المصادر ثم تحول بعد الثلاثين إلى طلب العلوم طلبا للحظوة عند الملوك ، ولم يزل يتقدم في أمر
--> ( 1 ) انظر الكامل في التاريخ 11 / 459 ، 12 / 437 .